عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
287
اللباب في علوم الكتاب
قد ينكحها المؤمن العفيف ، وأيضا فقوله : « وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ » ليس كذلك ، فإن المؤمن يحل له التزويج بالمرأة الزانية . فالجواب من وجوه : أحدها - وهو أحسنها - : ما قاله القفال : إن اللفظ وإن كان عاما لكن المراد منه الأعم الأغلب ، لأن الفاسق الخبيث الذي من شأنه الزنا لا يرغب في نكاح المرأة الصالحة ، وإنما يرغب في فاسقة مثله أو في مشركة ، والفاسقة لا ترغب في نكاح الرجل الصالح ، بل تنفر عنه ، وإنما ترغب فيمن هو من جنسها من الفسقة والمشركين ، فهذا على الأعم الأغلب ، كما يقال « لا يفعل الخير إلّا الرجل التقيّ » وقد يفعل الخير من ليس بتقي ، فكذا هاهنا . وأما قوله : وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فالجواب من وجهين : الأول : أن نكاح المؤمن الممدوح عند اللّه الزانية ورغبته فيها فحرم عليه لما فيه من التشبه بالفساق ، وحضور موقع التهمة ، والتسبب لسوء المقالة فيه ، والغيبة ، ومجالسة الخطائين « 1 » فيها التعرض لاقتراف الآثام « 2 » ، فكيف بمزاوجة الزواني والفجار . وثانيها : أن صرف الرغبة بالكلية إلى الزواني « 3 » وترك الرغبة في الصالحات محرم على المؤمنين ، لأن قوله : « الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً » معناه : أنّ الزاني لا يرغب إلا في زانية ، فهذا محرم على المؤمنين ، ولا يلزم « 4 » من حرمة هذا الحصر حرمة التزويج بالزانية ، فهذا هو المعتمد في تفسير الآية . الوجه الثاني : أن الألف واللام في قوله : « الزّاني » وفي قوله : « المؤمنين » وإن كان للعموم ظاهرا لكنه مخصوص بالأقوام الذين نزلت فيهم كما قدمناه آنفا . الوجه الثالث : أن قوله : « الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً » وإن كان خبرا في الظاهر لكن المراد منه النهي ، والمعنى : كل من كان زانيا فلا ينبغي أن ينكح إلا زانية ، « وحرّم ذلك على المؤمنين » هكذا كان الحكم في ابتداء الإسلام . وعلى هذا الوجه ذكروا قولين : أحدهما : أن ذلك الحكم باق إلى الآن حتى يحرم على الزاني والزانية التزويج بالعفيفة والعفيف وبالعكس ، وهذا مذهب أبي بكر وعمر وعليّ وابن مسعود . ثم في هؤلاء من يسوّي بين الابتداء والدوام فيقول : كما لا يحل للمؤمن أن يتزوج بالزانية فكذلك لا يحل له إذا زنت تحته أن يقيم عليها . ومنهم من يفصل لأن في جملة ما يمنع من التزويج ما لا يمنع من دوام النكاح كالإحرام والعدة .
--> ( 1 ) في ب : الخطابين . وهو تحريف . ( 2 ) في ب : الأيام . وهو تحريف . ( 3 ) في ب : أو . ( 4 ) في الأصل : ويلزم .